أسباب التصعيد الكلامي بين تركيا وكيان يهود

صعّد رئيس وزراء كيان يهود نتنياهو حدة كلامه تجاه تركيا ورئيسها أردوغان متهما إياه “بالتسامح مع وكلاء إيران” وتبعه وزير دفاعه كاتس بأن “تركيا نمر من ورق” لأنها لم ترد على الصواريخ الإيرانية التي سقطت في تركيا.

فهذا التصعيد جاء لعدم قيام تركيا بعمل ما ضد إيران. علما أن تركيا لم تستنكر العدوان الأمريكي اليهودي على إيران الذي استمر 40 يوما. فيريد كيان يهود من تركيا ليس فقط عدم الاستنكار، بل الوقوف علنا بجانبه.

ولكن صاحب القرار في المنطقة أمريكا، لم تطلب من تركيا التدخل لتجعل لها دورا آخر من إيصال رسائل والقيام بواسطات حيث كان من المفروض إجراء المفاوضات الإيرانية الأمريكية في تركيا، ولكن تقرر عقدها في الباكستان التي ترشحها أمريكا لدور معين في المنطقة. وكذلك لممارسة الضغوطات على إيران لكون تركيا بوابة إيران على الغرب. ومثل ذلك لم تطلب أمريكا من تركيا التدخل ضد روسيا عند غزوها لأوكرانيا حتى تكون بوابة للتواصل مع روسيا ولاستخدام هذه العلاقات للضغط عليها.

وقد أشاد مرشد إيران بتركيا والباكستان وعُمان واستثناها من الهجمات، لتكون بوابات للتفاوض مع أمريكا.  

إن تصرفات نتنياهو تصب في خانة هدفه الذي أعلنه تأسيس”إسرائيل الكبرى” وهيمنتها على المنطقة كدولة إقليمية كبرى بدون منافس. فهو يرى في إيران وتركيا دولا كبرى إقليمية منافسة.  فقام بمشاركة أمريكا بضرب إيران. ويريد أن يؤثر على تركيا ويثير أمريكا ضدها حتى يدحرها سياسيا حيث يدرك أنها تدور في فلك أمريكا وتنفذ سياستها، وأنها راضية كل الرضى عن دورها ورئيسها أردوغان، فقال ترامبيوم 29\3\2026 وهو يستعرض مواقف الدول الأخرى من العدوان الأمريكي اليهودي على إيران”أعتقد أن تركيا رائعة، لقد كانوا مذهلين حقا، وبقوا خارج النطاقات التي طلبنا منهم عدم الدخول فيها” ووصف رئيسها أردوغان بأنه “قائد رائع”. أي أن أمريكا طلبت منه عدم الوقوف في وجه العدوان الأمريكي اليهودي فانصاع لها، مثلما انصاع لأوامرها بعدم التدخل لنصرة أهل غزة أثناء الإبادة الجماعية التي مارسها عليهم كيان يهود بدعم أمريكي.

ومثل ذلك طلب نتنياهو العام الماضي من أمريكا إنهاء دور تركيا في سوريا، قرفض ترامب قائلا يوم 8\4\2025″لدي علاقة رائعة مع أردوغان وإني أحبه وهو يحبني”. وقال لنتنياهو “إذا كانت لديك مشكلة مع تركيا، فسأكون قادرا على حلها، ما دمت تتصرف بعقلانية، عليك أن تتصرف بعقلانية. أردوغان ذكي، سيطر على سوريا من خلال أتباعه، وفعل شئيا لم يستتطع أحد فعله. أشكر الرئيس أردوغان الذي أجده كلما احتجت إليه”. فقد حقق أردوغان لأمريكا في سوريا أكبر إنجاز عندما حال دون سقوط النظام العلماني القومي فيها، وحافظ على عميلها بشار أسد حتى وجدت البديل بأحمد الشرع الذي سوقته تركيا لها. فحال دون إقامة حكم الإسلام والخلافة في سوريا وحال دون سقوط النفوذ الأمريكي فيها، وعززه بعميل جديد.

وأما وصف أردوغان لقادة كيان يهود بأنهم “قتلة الأطفال لن يهددوا تركيا أو رئيسها” وقول وزير خارجيته فيدان:”إسرائيل تحاول تصنيف تركيا كعدو جديد“، فذلك لا يغير من موقف تركيا شيئا تجاه كيان يهود، حيث وصف أردوغان “العلاقات التركية الإسرائيلية بأنها حياتية، ولا يمكن التخلي عنها”.

سبق أن حصلت مثل هذه الملاسنات والتوترات ومن ثم رجعت المياه الآسنة بينهما إلى مجاريها.

فأردوغان متعهد بالحفاظ على كيان يهود وعدم المساس به وبعدم قطع العلاقات معه كضمانة له للبقاء في الحكم، فعندما باع نفسه لأمريكا أعطى هذا العهد وأثبته عمليا.

فقام عام 2005 بزيارة رسمية لكيان يهود واجتمع مع رئيس وزرائه آنئذ المجرم شارون الذي ارتكب مجازر صبرا وشاتيلا، وزار النصب التذكاري للهولوكوست ووضع إكليلا من الزهور مؤكدا لشارون أن:”حزبه يعتبر معاداة السامية جريمة ضد الإنسانية وأن طموحات إيران النووية تشكل تهديدا للعالم بأسره وليس لإسرائيل فقط”. فيؤكد أردوغان وقوفه بجانب كيان يهود ضد نشاطات إيران النووية.

وفي عام 2007 استقبل رئيس كيان يهود شمعون بيرس في أنقرة، وسمح له بإلقاء كلمة أمام البرلمان التركي.

فمهما شهدت العلاقات من توترات، فما أن تمضي مدة، وظن أردوغان أن الناس نسوا جرائم يهود يعود للتطبيع.

فقد توترت العلاقات بين الطرفين بعد اعتداء كيان يهود على غزة عام 2009، وكذلك بعد حادثة اعتداء يهود على السفينة التركية مافي مرمرة وقتلهم 10 أتراك في31\5\2010. وبعدها جرى تطبيع العلاقات في آذار2015.

وعندما اتهم كيان يهود تركيا بموضوع كشف عملاء لكيانه في إيران، توترت العلاقات، ومن ثم عادت إلى طبيعتها في حزيران 2016.

وهدد أردوغان بقطع العلاقات مع كيان يهود عندما اعترفت أمريكا بالقدس عاصمة للكيان عام 2017 ولكنه لم يفعلهأ، فهو أجبن من أن يفعلها.

واستقبل أردوغان رئيس كيان يهود هرتسوغ استقبال الأبطال الفاتحين في قصره الجمهوري بأنقرة عام 2022.

لقد وصف أردوغان كيان يهود بدولة الفصل العنصري ووصف نتنياهو بالإرهابي وأن يداه ملطختان بالدماء، ولكنه صافح هاتين اليدين القذرتين، وصالحه، كأن لم يكن هناك شيء، حيث اجتمع معه بنيويورك في أيلول 2023، وأعلن أنه سيزور كيان يهود في تشرين أول القادم، ولكن حرب 7 تشرين أول وعدوان يهود على غزة أوقف الزيارة.

وهاجم أردوغان يوم 27\12\2023 كيان يهود بارتكابه المجازر في غزة ووصف نتنياهو بأنه لا يختلف عن هتلر.  ولكنه لم يقطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية، وكانت تركيا من أكبر الموردين لكيان يهود بكافة البضائع والسلع لإطعام المحاربين اليهود، والمواد الخام لصناعة الأسلحة لقتل أهل فلسطين، والنفط والغاز القادم من أذربيجان لتزويد طائراتهم المقاتلة ودباباتهم بالوقود.

ويعمل أردوغان على توظيف هذه التوترات والملاسنات ليجعل الناس يتعاطفوا معه بعدما فقد الكثير من ثقتهم، فيتناسوا خذلانه لأهل غزة، وللأقصى، وللأسرى الفلسطنيين الذين صدر في حقهم قانون الإعدام، وقبوله خطة ترامب لوقف إطلاق النار في غزة التي أنقذت كيان يهود، ودخوله في مجلس سلام ترامب لتنفيذ هذه الخطة الإجرامية، وتخاذله عن حماية سوريا من عدوان يهود الذين دمروا جيشها وسيطروا على جنوبها، وجيشه هناك يتفرج محافظا على النطاقات الأمريكية.

فخلاصة القول: إن لم تقطع تركيا علاقاتها مع كيان يهود وتسحب اعترافها به، وتعلن فلسطين كلها بلدا إسلاميا مغتصبا من يهود يجب تحريره من دنسهم، فإن هذه التوترات والملاسنات بينهما لن تغير شيئا من الموقف الخياني للنظام التركي ورئيسه من كيان يهود الذي يهدد تركيا نفسها. وإن لم يقف أردوغان ونظامه موقف الخليفة عبد الحميد من فلسطين الذي لم يفرط بشبر فيها رغم العروض المغرية، فلا خير فيه ولا في نظامه الفاسد.

18\4\2026أسعدمنصور

Comments are closed.